فخر الدين الرازي
216
تفسير الرازي
اعلم أن التصريف في اللغة عبارة عن صرف الشيء من جهة إلى جهة ، نحو تصريف الرياح وتصريف الأمور هذا هو الأصل في اللغة ، ثم جعل لفظ التصريف كناية عن التبيين ، لأن من حاول بيان شيء فإنه يصرف كلامه من نوع إلى نوع آخر ومن مثال إلى مثال آخر ليكمل الإيضاح ويقوي البيان فقوله : * ( ولقد صرفنا ) * أي بينا ومفعول التصريف محذوف وفيه وجوه : أحدها : ولقد صرفنا في هذا القرآن ضروباً من كل مثل . وثانيها : أن تكون لفظة " في " زائدة كقوله : * ( وأصلح لي في ذريتي ) * ( الأحقاف : 15 ) أي أصلح لي ذريتي . أما قوله : * ( ليذكروا ) * ففيه مسألتان : المسألة الأولى : قرأ الجمهور * ( ليذكروا ) * بفتح الذال والكاف وتشديدهما ، والمعنى : ليتذكروا فأدغمت التاء في الذال لقرب مخرجيهما ، وقرأ حمزة والكسائي ليذكروا ساكنة الذال مضمومة الكاف ، وفي سورة الفرقان مثله من الذكر قال الواحدي : والتذكر ههنا أشبه من الذكر ، لأن المراد منه التدبر والتفكر ، وليس المراد منه الذكر الذي يحصل بعد النسيان . ثم قال : وأما قراءة حمزة والكسائي ففيها وجهان : الأول : أن الذكر قد جاء بمعنى التأمل والتدبر كقوله تعالى : * ( خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه ) * ( البقرة : 63 ) والمعنى : وافهموا ما فيه . والثاني : أن يكون المعنى صرفنا هذه الدلائل في هذا القرآن ليذكروه بألسنتهم فإن الذكر باللسان قد يؤدي إلى تأثر القلب بمعناه . المسألة الثانية : قال الجبائي : قوله : * ( ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا ) * يدل على أنه تعالى إنما أنزل هذا القرآن ، وإنما أكثر فيه من ذكر الدلائل لأنه تعالى أراد منهم فهمها والإيمان بها ، وهذا يدل على أنه تعالى يفعل أفعاله لأغراض حكمية ، ويدل على أنه تعالى أراد الإيمان من الكل سواء آمنوا أو كفروا والله أعلم . ثم قال تعالى : * ( وما يزيدهم إلا نفورا ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قال الأصم : شبههم بالدواب النافرة ، أي ما ازدادوا من الحق إلا بعداً وهو كقوله : * ( فزادتهم رجساً ) * ( التوبة : 125 ) . المسألة الثانية ؛ احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى ما أراد الإيمان من الكفار ، وقالوا : إنه تعالى عالم بأن تصريف القرآن لا يزيدهم إلا نفوراً ، فلو أراد الإيمان منهم لما أنزل عليهم ما يزيدهم نفرة ونبوة عنه ، لأن الحكيم إذا أراد تحصيل أمر من الأمور وعلم أن الفعل الفلاني يصير سبباً لمزيد النفرة والنبوة عنه ، فإنه عندما يحاول تحصيل ذلك المقصود يحترز عما يوجب مزيد النفرة والنبوة . فلما أخبر تعالى أن هذا التصريف يزيدهم نفوراً ، علمنا أنه ما أراد الإيمان منهم . والله أعلم .